الشيخ محمد رشيد رضا

228

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

أمر الاثم فيه ، إذ الاعمال تختلف باختلاف الزمان والمكان ، فللملأ آداب غير آداب الخلوة مع الأهل ، ويقال في مجلس الاخوان ، ما لا يقال في مجلس السلطان ، ويجب أن يكون المرء في أوقات العبادة والحضور مع اللّه تعالى على أكمل الآداب وأفضل الأحوال ، وناهيك الحضور في البيت الذي نسبه اللّه سبحانه اليه ، وقد بينا معنى هذه النسبة في تفسير ( وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ ) الآيات وأما السر فيها [ على أنها من محرمات الاحرام ] فهو أن يتمثل الحاج انه بزيارته لبيت اللّه تعالى مقبل على اللّه تعالى قاصد له ، فيتجرد عن عاداته ونعيمه ، وينسلخ من مفاخره ومميزاته على غيره ، بحيث يساوي الغني الفقير ، ويماثل الصعلوك الأمير ، فيكون الناس من جميع الطبقات في زي كزي الأموات ، وفي ذلك من تصفية النفس وتهذيبها وإشعارها من حقيقة العبودية للّه والاخوة للناس ما لا يقدر قدره ، وإن كان لا يخفي أمره ، وفي حديث أبي هريرة في الصحيحين « من حج ولم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه » وذلك ان الاقبال على اللّه تعالى بتلك الهيئة والتقلب في تلك المناسك على الوجه المشروع يمحو من النفوس آثار الذنوب وظلمتها ويدخلها في حياة جديدة ، لها فيها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ( وأقول ) ان من بلاغة الايجاز في الآية التصريح في مقام الاضمار بذكر الحج ثلاث مرات المراد بأولها زمان الحج كقولهم البرد شهر ان ، وبالثاني الحج نفسه المسمي بالنسك ، وبالثالث ما يعم زمان أدائه ومكانه وهو أرض الحرم وما يتبعها كعرفات ، كما تعم الظرفية في قوله تعال ى ( ومن يرد فيه بالحاد يظلم نذقه من عذاب أليم ) جميع ارض الحرم وإن كان الضمير فيه راجعا إلى المسجد الحرام ، فقد كان عبد اللّه بن عمر يضرب خيامه خارج حدود الحرم فيطوف كل يوم في المسجد ويصلي ثم يجيء خيامه فيبيت فيها ، وعلل ذلك بأنه يخاف يهين أحد خدمه فيكون ملحدا في المسجد الحرام ، فجميع أمكنة الحرم من شعائر اللّه ومشاعره وحرماته التي يجب احترامها ، واهمه اجتناب الرفث والفسوق والجدال بالباطل فيها . إلا أن الرفث بين الزوجين يحل بالتحلل من النسك لأنه في نفسه ليس قبيحا . ولو قال : فمن فرضه فيهن فلا رفث ولا فسوق ولا جدال فيه ، لم يؤد هذه المعاني كلها ومن